حين لا يشبهك الآخرون | فهم الاختلاف الإنساني


 
 

 

على الرغم من هذا… أتفهمك

ليس أصعب على الإنسان من أن يرى نفسه محاطًا بعقول لا تشبهه، وقلوب لا تستجيب بالطريقة التي يتوقعها، ومواقف لا تنسجم مع منطقه الخاص في تلك اللحظات تحديدًا، يبدأ شيء خفيّ في التكوّن داخلنا رغبة صامتة في التصنيف، وحكم سريع يريحنا من عناء الفهم هذا صادق، وهذا متناقض، هذا ناضج، وهذا سطحي، هذا يستحق القرب، وهذا لا يستحق حتى المحاولة، لكن الحياة في عمقها ليست بهذه البساطة

الناس لا يتصرفون دائمًا من موضع الوضوح، ولا يتحدثون دائمًا من مكانٍ سليم، ولا يجرحون لأنهم أشرار بالضرورة، ولا يبتعدون لأنهم لا يشعرون، كثير من البشر يتكلمون من بقايا خوف، ويتصرفون من أثر قديم، ويحملون في نبراتهم ومواقفهم تاريخًا كاملًا لا يظهر على السطح، ولهذا فالحكم على الإنسان من لحظته الظاهرة فقط، هو في الحقيقة قراءة ناقصة لكتاب طويل نحن لا نرى إلا الجملة الأخيرة، بينما الحقيقة تختبئ في الصفحات التي سبقتها

هناك من يبدو قاسيًا، لكنه في داخله لا يعرف كيف يطلب الأمان
وهناك من
يبدو باردًا، بينما هو في الحقيقة أتعبه الإفراط في الشعور حتى احترف التجمّد
وهناك من
يبدو مستفزًا، لا لأنه يحب الصدام، بل لأنه لم يتعلم يومًا كيف يُفهَم دون أن يرفع صوته
وهناك من
يختار الصمت، لا لأن الكلام لا يعنيه، بل لأن كل محاولة سابقة للتعبير انتهت بسوء فهم أو استهزاء أو تجاهل

لهذا لم أعد أؤمن أن الفهم الحقيقي يبدأ من التشابه … بل يبدأ من النضج

النضج الذي يجعلك تعترف أن الإنسان أكبر من موقف واحد، وأعقد من رأي واحد، وأعمق من انفعال عابر، النضج الذي يعلّمك أن الاختلاف ليس إهانة شخصية، وأن عدم الاتفاق لا يعني انعدام الإدراك، وأن رؤية الآخر على حقيقته لا تستلزم أن تذوب فيه أو تتنازل عن ذاتك، وهنا تحديدًا يظهر الفرق بين الضعف والوعي، الضعيف يريد من العالم أن يشبهه كي يشعر بالطمأنينة
أما
الواعي فيستطيع أن يرى التناقض ويفهمه ويضعه في مكانه الصحيح دون أن يفقد اتزانه

أن أتفهمك لا يعني أنني أبرر لك كل شيء
ولا يعني أنني غافلة عن الخطأ
ولا يعني أنني بلا حدود، أو أنني مستعدة لابتلاع الأذى باسم الرحمة

:بل يعني شيئًا أعمق من ذلك كله
أن أستطيع أن أنظر إلى ما وراء السلوك دون أن أنخدع به -
أن أرى الجذر لا القشرة فقط -
أن أفهم الدافع دون أن أصفّق للنتيجة -
أن أدرك لماذا أصبحتَ هكذا، دون أن أسمح لهذا السبب أن يتحول إلى رخصة دائمة للضرر -

وهذا من أصعب أشكال الوعي لأن الأسهل دائمًا هو أن نحكم، أما الأصعب فهو أن نفهم ثم نُحسن وضع كل شيء في حجمه الحقيقي

بعض الناس يظنون أن الفهم ضعف لأنهم لا يفرّقون بينه وبين الاستسلام، لكن الفهم ليس انهيارًا في الموقف بل رقيّ في النظر هو أن تبقى ثابتًا دون قسوة عمياء

(“هذا المعنى نفسه ظهر بوضوح في موقف معروف من سيرة النبي ﷺفقد قال لأصحابه يومًا: “لا يُصَلِّيَنَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة

ففهم بعض الصحابة الكلام على ظاهره، وقالوا: لن نصلي العصر حتى نصل بني قريظة حتى لو خرج الوقت، بينما فهم فريق آخر أن المقصود هو الإسراع فقط، فصلّوا العصر في الطريق قبل أن يخرج وقتها، وعندما بلغ ذلك النبي ﷺ لم يخطّئ أيًّا من الفريقين لم يعنّف هذا، ولم يوبّخ ذاك، لأن كليهما اجتهد في الفهم

:هذا الموقف البسيط يحمل درسًا عميقًا
أن الاختلاف في الفهم لا يعني دائمًا أن أحد الطرفين مخطئ، بل قد يكون نتيجة زاويتين مختلفتين لرؤية المعنى نفسه، وهذا بالضبط ما نفتقده كثيرًا في علاقاتنا اليوم

لا لأن الرحمة غائبة تمامًا، بل لأننا أصبحنا أسرع في إصدار الأحكام من استعدادنا لفهم التعقيد الإنساني

كم من علاقة خسرناها لأننا حكمنا قبل أن نفهم؟
وكم من إنسان ابتعد لأن أحدًا لم يحاول أن يرى ما وراء كلماته؟
وكم من قلب بدا قاسيًا بينما كان في داخله ينهار بصمت؟

إن أكثر ما يفسد العلاقات ليس الاختلاف نفسه بل العجز عن احتمال وجوده، ولهذا فإن قول: «أنا أتفهمك» ليس جملة سهلة كما تبدو

إنها إعلان عن سعة داخلية
عن روح لم تعد مهووسة بإثبات تفوقها الأخلاقي على الآخرين
وعن عقل أدرك أن البشر أكثر تعقيدًا من أن يُختزلوا في موقف واحد

أنا لا أتفهمك لأنك دائمًا محق
ولا لأن كل ما فيك مقبول
ولا لأنني عاجزة عن المواجهة

أتفهمك لأنني أعرف أن الإنسان قد يتعثر بطريقة لا تشبه حقيقته كلها، وعلى الرغم من هذا كله
قد أبتعد عنك
قد أرفض أسلوبك
قد أضع بيني وبينك حدودًا واضحة

... لكنني رغم ذلك، أتفهمك

لأن الإنسان حين يفهم دون أن ينكسر، ويرى دون أن يظلم، ويحكم بعدل دون أن يتجبر، ويحافظ على حدوده دون أن يفقد رحمته فإنه لا يربح الموقف فقط، بل يربح نفسه أيضًا وربما لهذا السبب ليست أعظم أشكال القوة أن تنتصر على الناس، بل أن ترى حقيقتهم بوضوح، ثم لا تسمح للظلمة فيهم أن تطفئ النور فيك



Previous
Previous

من ذاكرة الأدب | اقتباسات من الأدب العربي

Next
Next

العالم الذي لا يراه أحد: رحلة في عقل الإنسان الانطوائي